الجاحظ
329
رسائل الجاحظ
بها المرء وانما ذهب ابعد من ذلك محاولا سبر اغوار النفس الانسانية التي اعتبرها منبع الاخلاق . وهو يقول انسجاما مع فلسفته العامة ان الاخلاق طباع ، كما قال إن المعارف طباع . وذهب إلى أن سلوك الانسان يرد إلى طابعين هما الرغبة والرهبة وعنهما تصدر جميع الصفات كالايثار والعدل والاقتصاد والصداقة والشجاعة ، التي يتكلم عنها بتوسع « 1 » . واما الرسالة الثانية « في نفي التشبيه » فتتضمن تحريضا على المشبهة وذما لهم ، وتصدر عن رغبة في الكسب والتزلف . ونرى الجاحظ كثير التذمر من العوام الذين اشتد اذاهم على المتكلمين والخاصة ، وهؤلاء قالوا بالتشبيه فوقعوا في الاثم والفحش ، وهم يتألفون من المقلدين والسفلة والطغام والذين ينطبق عليهم قول واصل ابن عطاء : « ما اجتمعوا الا ضروا ولا تفرقوا الا نفعوا » وقول علي بن أبي طالب « نعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا لم يملكوا « 2 » وإذا تفرقوا لم يعرفوا » « 3 » . وربما عنى بهؤلاء العوام الحشوية الذين حرموا الكلام واعتبروه بدعة حتى أنهم أسقطوا شهادة المعتزلة وأخافوا علماء الكلام . وبما ان التشبيه يخالف عقيدة المعتزلة الذين شددوا على التوحيد المنزه ، لهذا يدعو الجاحظ القاضي إلى الضرب على أيديهم قائلا : « وهذا المذهب ينتحل طريقنا ويسلك سبيلنا جور شديد ومذاهب قبيحة وتقرب فاحش . وليس ينبغي لديان ان يواد من حاد اللّه ورسوله ولو كانوا آباءهم وأبناءهم أو اخوانهم أو عشيرتهم . فمتى اذن تزول التقية ويجب اظهار الحق
--> ( 1 ) رسالة المعاد والمعاش ( ضمن رسائل الجاحظ ، ج 1 ، ص 95 ) . ( 2 ) لم يملكوا : لم يجمعوا على رئيس . ( 3 ) رسالة في التشبيه ( رسائل الجاحظ ، ج 1 ، ص 283 ) .